أحمد بن محمود السيواسي

32

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

ونزل في شأن المنافقين والمؤمنين « 1 » ( وَإِذا لَقُوا ) أي استقبلوا ( الَّذِينَ آمَنُوا ) بالحق ( قالُوا ) كذبا ( آمَنَّا ) كايمانكم في حدوثه ظاهرا ( وَإِذا خَلَوْا ) أي مضوا ( إِلى شَياطِينِهِمْ ) أي أصحابهم من المشركين والمنافقين ، من شطن إذا بعد لبعده من رحمة اللّه ( قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ) أي على دينكم وثباته ( إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ) [ 14 ] أي ساخرون بمحمد وأصحابه ، والاستهزاء : التجهيل والسخرية ، يعني نحن نسخر بهم باظهارنا الإيمان ، وهو تأكيد لقولهم « إِنَّا مَعَكُمْ » ، فرد اللّه عليهم مستأنفا بقوله ( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) أي يجازيهم جزاء استهزائهم بتجديده دائما يوم القيامة بأن يعذبهم بالنار ، وبأن يفتح لهم بابا من الجنة وهم في جهنم ، فيساقون منها إلى ذلك الباب ، فإذا وصلوا إليه سد الباب عنهم وردوا إلى جهنم والمؤمنون على الأرائك في الجنة ينظرون إليهم ويضحكون ، ويفعل بهم ذلك مرة بعد مرة ( وَيَمُدُّهُمْ ) أي ويزيدهم بالإمهال ، فهو من المدد لا من المد في العمر لقراءة البعض « وَيَمُدُّهُمْ » من الإمداد ( فِي طُغْيانِهِمْ ) أي في تجاوزهم الحد في الكفر والضلالة ( يَعْمَهُونَ ) [ 15 ] حال ، أي يتحيرون ويترددون في ضلالتهم عقوبة لهم في الدنيا . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 16 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) ( أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا ) أي اختاروا « 2 » ( الضَّلالَةَ ) أي الكفر والعدول عن الحق ( بِالْهُدى ) أي بدل الإيمان « 3 » والسلوك في الطريق المستقيم ، جعل الهدى كأنه في أيديهم لتمكنهم منه ، وهو الاستعداد به فبميلهم إلى الضلالة ، عطلوه وتركوه ، والباء تصحب المتروك في باب المعارضة ، ومنها الاشتراء « 4 » ( فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ) أي إذا اشتروا به ذلك فما ربحوا في تجارتهم ، والربح : الزيادة على رأس المال ، وهو صنعة التاجر ، وإنما أسند إلى التجارة بالمجاز المرشح لاشتراء الضلالة بالهدى المستعمل في الاختيار « 5 » على وجه التشبيه بجامع الاستبدال « 6 » لتتميم الكلام وتزيينه ( وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ) [ 16 ] أي مصيبين في تجارتهم لعدم علمهم بطرقها أو وما كانوا ناجين من الضلالة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 17 ] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) ثم عقب صفة المنافقين بضرب المثل من أوجه ثلاثة تتميما للبيان ، لأن المثل يصير الغائب كالمحسوس فقال مبتدأ بالوجه الأول ( مَثَلُهُمْ ) أي شبههم في إيمانهم ، وهو قول سائر في عرف القرم ، يعرف به معنى شيء « 7 » فيه غرابة ( كَمَثَلِ الَّذِي ) أي الذين من باب وضع واحد الموصول موضع الجمع منه تخفيفا لكونه مستطالا بصلته كقوله « وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا » « 8 » ، والقرينة ما قبله وما بعده ، أي كشبه من ( اسْتَوْقَدَ ) أي أوقد في مفازة في ليلة مظلمة ( ناراً ) عظيمة خوفا من السباع وغيرها ، وهي جوهر لطيف محرق ، والنور ضوءها وضوء كل نير ( فَلَمَّا أَضاءَتْ ) أي أنارت ( ما حَوْلَهُ ) مفعول « أَضاءَتْ » ، أي ما حول المستوقد من الأماكن والأشياء ، و « حول » نصب على الظرف ، وأصله الدوران ( ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ) أي أزال نورهم بالكلية ، وذكر ال « نور » أبلغ من ذكر الضوء ، لأن فيه دلالة على الزيادة ، ولا يلزم من ذهابها ذهاب النور رأسا ، وهو جواب « لما » « 9 » أو جوابه محذوف ، أي طفئت ناره ، و « ذَهَبَ » كلام مستأنف ، كأنه قيل : ما حولكم ، فقال أخذ اللّه نورهم ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ) [ 17 ] أي طرحهم في ظلمة متزائدة ، يتكاثف بعضها فوق بعض ، لا يبصرون ما حولهم ، والظلمة عدم النور فيما شأنه أن يستنير ، ومعنى ذلك : أن المنافقين تكلموا بكلمة الشهادة مراءة

--> ( 1 ) قاله الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس نحوه ، انظر السمرقندي ، 1 / 96 ؛ والواحدي ، 19 ، 20 . ( 2 ) اختاروا ، ب م : استبدلوا ، س . ( 3 ) الإيمان ، ب م : بالإيمان ، س . ( 4 ) ومنها الاشتراء ، ب س : والاشتراء منها ، م . ( 5 ) في الاختيار ، ب م : في الاستبدال ، س . ( 6 ) الاستبدال ، ب م : للاستبدال ، س . ( 7 ) شيء ، ب س : الشيء ، م . ( 8 ) التوبة ( 9 ) ، 69 . ( 9 ) « لما » ، ب س : « فلما » ، م .